الشوكاني
64
فتح القدير
قال الزجاج : لما ذكر أنهم لا يؤمنون ذكر الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق فقال ( الله الذي رفع السماوات بغير عمد ) والعمد : الأساطين جمع عماد : أي قائمات بغير عمد تعتمد عليه ، وقيل لها عمد ولكن لا نراه . قال الزجاج العمد قدرته التي يمسك بها السماوات ، وهى غير مرئية لنا ، وقرئ " عمد " على أنه جمع عمود يعمد به : أي يسند إليه . قال النابغة : وخبر الجن أنى قد أذنت لهم * يبنون تذمر بالصفاح والعمد وجملة ترونها مستأنفة استشهاد على رؤيتهم لها كذلك ، وقيل هي صفة لعمد ، وقيل في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : رفع السماوات ترونها بغير عمد ، ولا ملجئ إلى مثل هذا التكلف ( ثم استوى على العرش ) أي استولى عليه بالحفظ والتدبير ، أو استوى أمره ، أو أقبل على خلق العرش ، وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى ، والاستواء على العرش صفة لله سبحانه بلا كيف كما هو مقرر في موضعه من علم الكلام ( وسخر الشمس والقمر ) أي ذللهما لما يراد منهما من منافع الخلق ومصالح العباد ( كل يجرى إلى أجل مسمى ) أي كل من الشمس والقمر يجري إلى وقت معلوم : وهو فناء الدنيا وقيام الساعة التي تكور عندها الشمس ويخسف القمر وتنكدر النجوم وتنتثر . وقيل المراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما التي تنتهيان إليها لا يجاوزنها . وهى سنة للشمس ، وشهر للقمر ( يدبر الأمر ) أي يصرفه على ما يريد . وهو أمر ملكوته وربوبيته ( يفصل الآيات ) أي يبينها : وهى الآيات الدالة على كمال قدرته وربوبيته ، ومنها ما تقدم من رفع السماء بغير عمد وتسخير الشمس والقمر وجريهما لأجل مسمى والجملتان محل نصب على الحال أو خبر إن لقوله ( الله الذي رفع ) على أن الموصول صفة للمبتدأ . والمراد من هذا تنبيه العباد أن من قدر على هذه الأشياء فهو قادر على البعث والإعادة . ولذا قال ( لعلكم بلقاء ربكم توقنون ) أي لعلكم عند مشاهدة هذه الآيات توقنون بذلك لا تشكون فيه ولا تمترون في صدقه . ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها بذكر الدلائل الأرضية فقال ( وهو الذي مد الأرض ) قال الفراء : بسطها طولا وعرضا . وقال الأصم : إن المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه ، وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها ( وجعل فيها رواسي ) أي جبالا ثوابت . واحدها راسية لأن الأرض ترسو بها : أي تثبت ، والإرساء : الثبوت . قال عنترة : فصرت عارفة لذلك حرة * ترسو إذا نفس الجبان تطلع وقال جميل : أحبها والذي أرسى قواعده * حتى إذا ظهرت آياته بطنا ( وأنهارا ) أي مياها جارية في الأرض فيها منافع الخلق ، أو المراد جعل فيها مجاري الماء ( ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ) من كل الثمرات متعلق بالفعل الذي بعده : أي جعل فيها من كل الثمرات زوجين اثنين . الزوج يطلق على الاثنين ، وعلى الواحد المزاوج لآخر ، والمراد هنا بالزوج الواحد ، ولهذا أكد الزوجين بالاثنين لدفع توهم أنه أريد بالزوج هنا الاثنين . وقد تقدم تحقيق هذا مستوفى . أي جعل كل نوع من أنواع ثمرات الدنيا صنفين ، إما في اللونية : كالبياض والسواد ونحوهما . أو في الطعمية كالحلو والحامض ونحوهما ، أو في القدر كالصغر والكبر ، أو في الكيفية كالحر والبرد . قال الفراء : يعني بالزوجين هنا الذكر والأنثى ، والأول أولى ( يغشى الليل النهار ) أي يلبسه مكانه ، فيصير أسود مظلما بعدما كان أبيض منيرا شبه إزالة نور الهدى بالظلمة بتغطية الأشياء الحسية بالأغطية التي تسترها ، وقد سبق تفسير هذه في الأعراف ( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )